أبي الفرج الأصفهاني
409
الأغاني
وردّه إلى منزله مكرّما ، فكان ابن الزّبير بعد ذلك يمدحه ويشيد بذكره ، فلما قتل مصعب بن الزبير اجتمع ابن الزّبير وعبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان في مجلس ، فعرف ابن الزبير خبره - وكان عبيد اللَّه هو الَّذي قتل مصعب بن الزبير - فاستقبله بوجهه وقال له : أبا مطر شلَّت يمين تفرّعت بسيفك رأس ابن الحواريّ مصعب [ 1 ] فقال له ابن ظبيان : فكيف النجاة من ذلك ؟ قال : لا نجاة ، هيهات ! « سبق السيف العذل » [ 2 ] ، قال : فكان ابن ظبيان بعد قتله مصعبا لا ينتفع بنفسه في نوم ولا يقظة ، / كان يهوّل عليه [ 3 ] في منامه فلا ينام ، حتى كلّ جسمه ونهك ، فلم يزل كذلك حتى مات . شعره عند عبيد اللَّه بن زياد وقال ابن الأعرابي : لما قدم ابن الزّبير من الشأم إلى الكوفة دخل على عبيد اللَّه بن زياد بكتاب من يزيد بن معاوية إليه يأمره بصيانته وإكرامه وقضاء دينه وحوائجه وإدرار عطائه ، فأوصله إليه ، ثم استأذنه في الإنشاد ، فأذن له ، فأنشده قصيدته الَّتي أوّلها : صوت أصرم بليلى حادث أم تجنّب أم الحبل منها واهن متقضّب [ 4 ] أم الودّ من ليلى كعهدي مكانه ولكنّ ليلى تستزيد وتعتب [ 5 ] غنّى في هذين البيتين حنين ثاني ثقيل عن الهشامي . ألم تعلمي يا ليل أنّي ليّن هضوم وأنّي عنبس حين أغضب [ 6 ] / وأني متى أنفق من المال طارفا فإني أرجو أن يثوب المثوّب [ 7 ]
--> [ 1 ] تفرّعت : علت . وفي ب ، س ، ج ؛ « تقرّعت » والتصويب عن ط ، مط . الحواري : الناصر أو ناصر الأنبياء : وهو هنا الزبير بن العوّام ، قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « المزبير ابن عمتي وحوارييّ من أمتي » أي خاصتي من أصحابي وناصري ، وقال أيضا : « إن لكل نبي حواريا ، وحواريّ الزبير بن العوّام » . [ 2 ] أوّل من قال هذا المثل ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ، وكان له ابنان يقال لأحدهما : سعد وللآخر سعيد ، فنفرت إبل لضبة تحت الليل ، فوجه ابنيه في طلبها ، فتفرّقا ؛ فوجدها سعد فردّها ، ومضى سعيد في طلبها ، فلقيه الحرث بن كعب ، وكان على الغلام بردان ، فسأله الحرث إياهما ، فأبى عليه ، فقتله وأخذ برديه ، فكان ضبة إذا أمسى فرأى تحت الليل سوادا قال : أسعد أم سعيد ؟ فمكث ضبة بذلك ما شاء اللَّه أن يمكث ، ثم إنه حج ، فوافى عكاظ ، فلقي بها الحرث بن كعب ، ورأى عليه بردي ابنه سعيد فعرفهما ، فقال له : هل أنت مخبري ما هذان البردان اللذان عليك ؟ قال : بلى لقيت غلاما وهما عليه فسألته إياهما ، فأبى عليّ فقتلته وأخذت برديه هذين ، فقال ضبة : بسيفك هذا ؟ قال : نعم ، فقال : فأعطنيه أنظر إليه فإني أظنه صارما ، فأعطاه الحرث سيفه ، فلما أخذه هزه وقال : الحديث ذو شجون أي ذو طرق جمع شجن كشمس ثم ضربه به حتى قتله ، فقيل له : يا ضبة ، أفي الشهر الحرام ! فقال : سبق السيف العذل ، أي اللوم . [ 3 ] هوّل عليه : أفزعه . [ 4 ] الصرم : القطيعة . واهن : ضعيف . منقضب : متقطع . [ 5 ] في ب ، س ، ج « لعهدي » ؛ وقد أخذنا برواية ط ، مط . [ 6 ] الهضوم : المنفق لماله . والعنبس : الأسد . [ 7 ] الطارف : المستحدث . ثاب وثوّب : رجع .